الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
259
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
وتلك الوجوه هي المطلوبة تبعا على الوجه المذكور من حيث حصول الطّبيعة الواجبة بكل منهما والإشكال المذكور في المقام مبني على الخلط بين الأمرين وعدم التمييز بين اللحاظين [ تحقيق الحال في أن العزم على الفعل في الواجب الموسع ، بل الواجب بدلا ، وعلى تقديره ما المبدل منه له فهل هو نفس الواجب أو شيء آخر . ] قوله وهل يجب البدل وهو العزم إلى آخره والإشكال المذكور عند القائلين بحصول التوسعة في الواجبات الشرعية في جواز تأخير الموسع عن أول الوقت ووسطه كما أنه لا إشكال في تعيين الإتيان بنفس الفعل في آخر الوقت وعدم الاكتفاء عنه بغيره واختلفوا في جواز تركه لا إلى بدل فيما عدا الوقت الآخر فقيل بعدم جواز تركه في شيء من أجزاء الوقت إلا إلى بدل ينوب منابه وهو العزم على الفعل فيما بعد فتخير المكلف بينه وبين الفعل إلى أن يتضيق الوقت فيتعين الفعل وقيل بجواز تركه في خصوصيات تلك الأوقات من غير بدل وهو كما مرت الإشارة إلى وجهه وسيجيء تفصيل القول فيه قوله وتبعه السيد أبو المكارم وقد اختار ذلك شيخنا البهائي وتبعه تلميذه الفاضل الجواد وحكى القول به عن الجبائين وعزاه فاضل الجواد إلى أكثر أصحابنا واضطربت كلماتهم في بيان ما يقع العزم المذكور بدلا عنه فظاهر السّيّد المرتضى أن العزم المذكور إنما يقع بدلا عن نفس الفعل ولذا أنكر كون الإتيان بالبدل قاضيا بسقوط المبدل وذكر أن الأبدال في الشرع على وجهين فمنها ما يسقط المبدل بحصوله ومنها ما لا يسقط به كما هو الحال في التيمم بالنسبة إلى الوضوء والغسل فإنه مع كونه بدلا لا يسقط به التكليف بمبدله بل يتعين الإتيان به أيضا عند التمكن منه ويظهر من كلام بعضهم أنه بدل عن خصوص الأفعال التي يقع العزم المذكور بوقعها فالعزم على الفعل في الزمان الثاني بدل عن الفعل في الزمان الأول والعزم عليه في الثالث بدل عن الفعل في الثاني وهكذا وقيل بكون العزم بدلا من خصوص الإيقاعات دون نفس الفعل فيحتمل أن يراد به خصوص الأفعال الخاصة فيرجع إلى الوجه المتقدم أو الخصوصيات المنضمة إلى نفس الفعل عند إيجاده في خصوص الأزمنة المفروضة دون نفس الفعل كما هو الظاهر من العبارة وربما يقول بكون العزم جزء من البدل وأن بدل الفعل في أول الوقت هو العزم على الفعل في ثانية مع أداء الفعل فيه ثم العزم على الفعل في ثالثة مع الفعل في ثاني الوقت وهكذا فيكون الفعل في آخر الوقت مع ما تقدم عليه من العزم على الفعل في ثاني الحال وثالثة إلى آخر الوقت بدلا عن الفعل في الأول وهذه الوجوه كلها ضعيفة غير جارية على القواعد أما ما ذكره السيد فظاهر لوضوح قضاء البدلية بوقوعه مقام المبدل وقيامه مقامه في معنى سقوطه بفعله وليس التيمم بدلا عن الوضوء مطلقا حتى يسقط فعله وإنما هو بدل منه في حال الاضطرار وقائم مقامه ومن البين أنه لا وجوب حينئذ للوضوء ولو سلم جواز عدم سقوط المبدل مع الإتيان بالبدل فإنما هو في الأبدال الاضطرارية وأما إذا كان البدل اختياريّا كان المكلف مخيرا في الإتيان بأحد الأمرين فكيف يعقل عدم سقوط التكليف مع الإتيان بأحدهما وأما الوجه الثاني فلوضوح قيامه مقام ذلك الفعل الخاص كما عرفت وذلك قاض أيضا بسقوط الواجب لظهور كون الإتيان بالمبدل سقط التكليف كيف ومن البين أنه لا تكرار هناك في التكليف بل ليس المكلف به إلا أداء الفعل مرة والمفروض قيام العزم مقامه فكيف يصح القول ببقاء التكليف بعد الإتيان بما ينوب منابه وأما الوجه الثالث فلأنه لا يكون العزم حينئذ بدلا عن الفعل الواجب إذ المفروض كونه بدلا من الخصوصيات المغايرة له فيكون نفس الواجب خاليا عن البدل ومعه تبقى الشبهة القاضية ببدلية العزم على حالها ولا يكون التزام بدلية العزم على الوجه المذكور نافعا في المقام ومعه لا يقوم دليل على ثبوت بدليته على الوجه المذكور أما الوجه الرابع ففيه مع مخالفته لظواهر كلماتهم أنه إذا جعل الفعل في ثاني الحال وثالثة مثلا بعضا من البدل فأيّ مانع من كونه هو البدل من غير حاجة إلى ضم العزم مضافا إلى بعده جدا من ظاهر الأمر فإن الظاهر منه كون الواجب نفس الطبيعة إلا أن يكون ذلك تمام المأمور به تارة وبعضا منه أخرى والذي ينبغي أن يذهب إليه القائل ببدلية العزم أن يقول بحصول تكليفين في المقام أحدهما يتعلق بالفعل والآخر بالفورية والمبادرة في تحصيل تفريغ الذمة والتكليف الأول على سبيل التعيين من غير أن يثبت هناك بدل للواجب والثاني على سبيل التخيير بينه وبين العزم على أدائه فيما بعد ذلك بمعنى أنه يجب عليه البدار إلى الفعل ما لم يأت به أو العزم على الإتيان به فيما بعده وقضية ذلك وجوب المبادرة إلى الفعل على الوجه المذكور في أول أوقات الإمكان ثم في ثانيها ثم في ثالثها وهكذا ينحل التكليف الثاني إلى تكاليف عديدة ويمكن أن يتحقق مخالفات شتى بالنسبة إليه فيتعدد بحسبه استحقاق العقوبة وحينئذ لا يرد عليه شيء من الإيرادات المذكورة ولا يلزم أيضا خروج الواجب عن الوجوب بالنسبة إلى شيء من التكليفين أما الثاني فظاهر وأما الأول فلأنه إنما ثبت ذلك عن جواز التأخير من غير ترتب عصيان أصلا وليس الأمر هنا كذلك فإنه لا يجوز تأخيره عن أول أزمنة الإمكان وكذا ثانيها وثالثها مطلقا بل إلى بدل هو العزم على الفعل في الثاني والثالث وهكذا وذلك كاف في انفصاله عن المندوب وعلى ما هو مناط الشبهة عندهم في التزامهم بما ذكره من بدلية العزم قوله والأكثرون إلى آخره عزى القول به إلى أبي الحسين البصري وفخر الدين وعزاه في المنية إلى أكثر المحققين وقال أيضا إنه أطبق المحققون على عدم وجوبه بدلا عنه قوله فلأن الوجوب مستفاد من الأمر وهو مقيد بجميع الوقت إلى آخره قد أشرنا إلى هذه جماعة من الخاصة والعامة فمن الخاصة الشيخ في العدة والمحقق في المعارج والعلامة في النهاية وغيره والسيّد العميدي في المنية وشيخنا البهائي وتلميذه الفاضل الجواد والفاضل الصالح وغيرهم ومن العامة الآمدي في الأحكام والحاجبي والعضدي في المختصر وشرحه إلا أن في كلامهم اختلافات في تقريره لا طائل في ذكره ومحصل الاحتجاج بظاهر التوقيت الوارد في الأدلة فإنه لا شك في ورود التوقيت بما يزيد على مقدار أداء الفعل وغاية ما يتخيل فيه وجوه ثلاثة أحدها إطالة الفعل بمقدار ما صرف له من الوقت فينطبق عليه ثانيها تكراره بمقدار الوقت ثالثها الإتيان بالفعل في أي جزء شاء من ذلك الوقت من غير أن يقدمه عليه أو يؤخره عنه والوجهان الأولان باطلان بالإجماع فيتعين الثالث وهو المدعى واحتمال اختصاصه بأول الوقت أو آخره مع خروجه عن ظاهر العبارة على ما هو المناط في الاستدلال مدفوع بأنه لا تعرض في الكلام لاختصاصه به حسبما قرروه وحينئذ فللخصم دفع ذلك بما يدعيه من دلالة العقل